الشيخ محمد رشيد رضا

353

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

التكرار المختلف الأساليب والألوان وأمثاله في الكلام على أسلوب القرآن واعجازه وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً أي واذكر أيها الرسول لفريقي الناس الذين ضربنا لهم ما سبق من الأمثال ، وبينا ما يعملون من الاعمال ، يوم نحشرهم جميعا في موقف الحساب لا يتخلف منهم أحد ، أو الظرف متعلق بقوله تعالى في الآية التالية ( هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ ) وفي بعض الآيات ( وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ ) ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا : مَكانَكُمْ اي ثم نقول للمشركين منهم بعد وقوف طويل لا يخاطب فيه أحد بشيء كما تدل عليه بعض الآيات : الزموا مكانكم لا تبرحوه حتى تنظروا ما يفعل بكم أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ اي الزموه أنتم وشركاؤكم اي الذين جعلتموهم شركاء للّه لنفصل بينكم فيما كان من سبب عبادتكم لهم وما يقول كل منكم فيها فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ اي فرقنا بين الشركاء ومن أشركوهم مع اللّه وميزنا بعضهم من بعض كما يميز بين الخصوم عند الحساب ، والتزييل من زاله يزاله كناله يناله بمعنى نحاه ( وهو يائي ) وزايلته فارقته وتزيلوا تميزوا بافتراق بعضهم من بعض ، ومنه قوله في أهل مكة واختلاط مؤمنيهم بكفارهم قبل الفتح ( لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً ) أو المراد من التزييل والتفريق تقطيع ما كان بينهم في الدنيا من الصلات ، وما للمشركين في الشركاء من الآمال ، وكل من المعنيين صحيح ، والعبادة الشركية أنواع ، والمعبودات والمعبودون أنواع يصح في بعضهم مالا يصح في الآخر ، ولذلك تكرر معنى حشر الفريقين وحسابهم في سور أخرى بعضها في عبادة الملائكة وعبادة الجن ، وبعضها في عبادة البشر ، وما اتخذ لهم من التماثيل والصور ، ومثلها القبور المعظمة وسنشير إلى شواهده وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ اي ما كنتم تخصوننا بالعبادة وانما كنتم تعبدون أهواءكم وشهواتكم وشياطينكم المغوية لكم ، وتتخذون أسماءنا وتماثيلنا هياكل ومواسم لمنافعكم ومصالحكم ، وليس هذا شأن العبودية الصادقة للمعبود الحق ، الذي يطاع ويعبد لأنه صاحب السلطان الاعلى على الخلق ، وبيده تدبير الامر ، ومصادر النفع والضر والمراد انهم يتبرؤن منهم كما صرح به في آيات أخرى « تفسير القرآن الحكيم » « 45 » « الجزء الحادي عشر »